محمد بن محمد ابو شهبة

341

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

أعطينا هؤلاء القوم عهدا ولا يصح في ديننا الغدر ، وإنّ اللّه جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا ، فانطلق إلى قومك » ، فقال أبو بصير : يا رسول اللّه أتردني إلى المشركين يفتنونني في ديني ؟ ! فكرّر عليه النبي قوله . فخرج مع الرجلين ، حتى إذا كان بذي الحليفة تحايل على أحد الرجلين فأخذ منه سيفه فضربه به حتى برد « 1 » ، وفرّ الاخر يعدو حتى دخل مسجد المدينة فلما راه رسول اللّه قال : « قد رأى هذا ذعرا » وأخبر رسول اللّه بما جرى فأمنه ، ولم يلبث أبو بصير أن جاء وقال : يا رسول اللّه قد - واللّه - أوفى اللّه ذمتك ، قد رددتني إليهم ، ثم أنجاني اللّه منهم ، فقال النبي : « ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد » « 2 » . ففطن الرجل لمقالة الرسول ، وخرج حتى نزل ( العيص ) على ساحل البحر في طريق قريش إلى الشام ، ولم يلبث أن انفلت أبو جندل ولحق به ، وهكذا صنع كل من ضيّق عليه واحتجز بمكة حتى تكوّن منهم نحو السبعين رجلا ، فقطعوا على قريش تجارتها ، فماذا كان من أمر قريش ؟ لقد أرسلت إلى رسول اللّه تناشده اللّه والرحم أن يرسل إليهم ويؤويهم ، وأن من أتاه مهاجرا من المسلمين فهو امن ولا يرد . وهكذا صدّق اللّه فراسة نبيّه ، وعلم المسلمون الذين امتعضوا من هذا الشرط أن أمر رسول اللّه أعظم بركة من أمرهم ، وأن رأيه لهم أولى من رأيهم لأنفسهم ، وازدادوا إيمانا بأن اللّه ناصر نبيه ، وناشر دينه ، ورضي اللّه عن الصحابي الجليل سهل بن حنيف ، فقد كان يقول : ( اتهموا الرأي ، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أردّ على رسول اللّه أمره لرددت ، واللّه ورسوله

--> ( 1 ) برد : مات . ( 2 ) ويل أمه : كلمة ذم . والمراد بها هنا المدح . مسعر حرب : مثيرها ومحركها ، ومسعر بالنصب على التمييز وهو وصف له بالإقدام .